ابن أبي الحديد

305

شرح نهج البلاغة

في الحديد ، واحبسوه في دار من دوركم ، وتربصوا به أن يصيبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء وكان عتبة بن ربيعه سيد بنى عبد شمس ورئيسهم ، وهم من بنى عبد مناف ، وبنو عم الرجل ورهطه ، فأحجم أبو جهل وأصحابه تلك الليلة عن قتله إحجاما ، ثم تسوروا عليه ، وهم يظنونه في الدار ، فلما رأوا انسانا مسجى بالبرد الأخضر الحضرمي لم يشكوا انه هو ، وائتمروا في قتله ، فكان أبو جهل يذمرهم ( 1 ) عليه فيهمون ثم يحجمون ثم قال بعضهم لبعض ارموه بالحجارة ، فرموه ، فجعل على يتضور منها ، ويتقلب ويتأوه تأوها خفيفا ، فلم يزالوا كذلك في اقدام عليه وإحجام عنه ، لما يريده الله تعالى من سلامته ونجاته ، حتى أصبح وهو وقيذ ( 2 ) من رمى الحجارة ، ولو لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، وأقام بينهم بمكة ، ولم يقتلوه تلك الليلة ، لقتلوه في الليلة التي تليها ، وان شبت الحرب بينهم وبين عبد مناف ، فان أبا جهل لم يكن بالذي ليمسك عن قتله ، وكان فاقد البصيرة ، شديد العزم على الولوغ في دمه . قلت للنقيب أفعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام بما كان من نهى عتبة لهم قال لا ، انهما لم يعلما ذلك تلك الليلة ، وإنما عرفاه من بعد ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ، لما رأى عتبة وما كان منه ( إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر ) . ولو قدرنا أن عليا عليه السلام علم ما قال لهم عتبة لم يسقط ذلك فضيلته في المبيت ، لأنه لم يكن على ثقة من أنهم يقبلون قول عتبة ، بل كان ظن الهلاك والقتل أغلب . واما حال علي عليه السلام ، فلما أدى الودائع ، خرج بعد ثلاث من هجرة النبي

--> ( 1 ) يذمرهم : يحضهم . ( 2 ) الوقيذ : المشرف على الهلاك .